ابن حزم
409
رسائل ابن حزم الأندلسي
ثم ليتفكر الإنسان فيمن ذكر بخير أو بشر ، هل يزيده ذلك عند الله تعالى درجة أو يكسبه فضيلة لم يكن حازها بفعله أيام حياته . فإذا ( 1 ) هذا كما قلنا فالرغبة في الذكر رغبة في غرور ( 2 ) ، ولا معنى له ولا فائدة فيه أصلا ، لكن إنما ينبغي ان يرغب العاقل في الاستكثار من الفضائل وأعمال البر التي يستحق من هي فيه الذكر الجميل والثناء والحسن والمدح وحميد الصفة ، فهي التي تقربه من بارئه تعالى وتجعله مذكوراً عنده عز وجل الذكر الذي ينفعه ويحصل على بقاء فائدته ولا يبيد أبد الأبد ، وبالله الوفيق . 214 - شكر المحسن ( 3 ) فرض واجب ، وإنما ذلك بالمقارنة له يمثل ما أحسن فأكثر ، ثم بالتهمم بأموره والتأتي بحسن الدفاع عنه ثم بالوفاء له ، حياً وميتاً ، ولمن يتصل به من شأفة ( 4 ) وأهل كذلك ، ثم بالتمادي على وده ونصيحته ونشر محاسنه بالصدق وطي مساويه ما دمت حياً وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك . وليس من الشكر عونه على الآثام وترك نصيحته في ما يوتغ ( 5 ) به دينه ودنياه ، بل من عاون من أحسن إليه على باطل فقد غشه وكفر إحسانه وظلمه وجحد إنعامه . وأيضاً فان إحسان الله تعالى وإنعامه عز وجل على كل أحد أعظم واقدم وأهنأ من نعمة كل منعم دونه ، فهو تعالى الذي شق لنا الإبصار الناظرة وفتق فينا الآذان السامعة ومنحنا الحواس الفاضلة ورزقنا النطق والتمييز اللذين بهما استأهلنا ان يخاطبنا ، وسخر لنا ما في السماوات و [ ما في ] ( 6 ) الأرض من الكواكب والعناصر ، ولم يفضل
--> ( 1 ) م : فإذا كان هذا . ( 2 ) م : رغبة غرور . ( 3 ) م : شكر المنعم . ( 4 ) شأفة الرجل : أهله وماله ، وفي ص : مسافة وكذلك في د . ( 5 ) يزتغ : يهلك ، وأوتغ دينه بالإثم أفسده . ( 6 ) زيادة من د .